أخر الاخبار

الإستعارة في النص الفلسفي


نظرا للمكانة التي تحتلها الاستعارة في النص الفلسفي؛
ـ ونظرا لحاجتنا كأساتذة وتلاميذ لفهم الكيفية التي تحضر بها الاستعارة في نصوص الفلاسفة ووظيفتها وعلاقتها بالمفهوم الفلسفي؛
ـ ونظرا لأن المذكرة رقم 159 بشأن موضوع التقويم التربوي لمادة الفلسفة تحدثت عن حضور المفاهيم المستهدفة بشكل صريح أو ضمني، ولا تتحدث عن الذي يقوم مقام المفهوم في حالة عدم التصريح به، والحال أن الاستعارة هي ما يقوم مقام المفهوم في حالة عدم التصريح به؛
 ـ ووفاء بوعدي بالرجوع لهذه النقطة في ما كتبته تحت عنوان: "كفاية! قليل من الاحترام لذكاء أساتذة الفلسفة وحقوق التلاميذ"؛
ـ ورغبة في فتح نقاش ديداكتيكي مع الزملاء حول أنسب طريقة لتناول الاستعارة في درس الفلسفة.
أنقل لكم عن موقع: http://membres.lycos.fr/abedjabri

مقطع من مقال بعنوان: أساليب التخييل في الفلسفة لعائشة أنوس، المقطع يتحدث عن الاستعارة في النص الفلسفي وسأعود إن شاء الله لهذه المسألة نظرا لأهميتها، ولكن ليس من زاوية علوم اللسانيات بل من الزاوية التي تهمنا نحن أساتذة الفلسفة وتهم بالتبعية تلامذتنا؛ أي الزاوية الديداكتيكية.

وهذا نص المقطع:
"كيف تحضر الاستعارة في نصوص الفلاسفة؟ تحت أي شكل؟ وإلى أي حد؟ هل تكون جوهرية أم عرضية؟ هذه أسئلة طرحها دريدا في (الميثولوجيا البيضاء) وأجاب عنها بقوله: "إن الفلسفة هي ذاتها عملية بناء استعاري une metaphorisation". هذا الموقف من الاستعارة في الفلسفة هو موقف من اللغة الفلسفية يعتبر المعنى الأول والشكل الأصلي للألفاظ محسوسين وأن كلمات اللغة البشرية تمت صياغتها في البداية بكيفية حسية وأن الألفاظ ليست استعارية في حد ذاتها، لكنها تصبح كذلك عندما يستعملها الخطاب الفلسفي ويتداولها حتى يتم نسيان الأصل أو المعنى الأول والنقل الأول، لأن العملية الاستعارية هي نقل خصائص مجال مرجعي حسي إلى مجال ونظام تجريدي. وهو نقل يتم وفق أشكال التحويل وأنماط التناسب والتماثل.

تخفي التصورات التجريدية شكلا محسوسا. لهذا فإن "تاريخ اللغة الميتافيزيقية يمتزج بعملية محو المحسوس، وإتلاف صورته، إنه إتلاف ناتج عن طول الاستعمال l’usure"، هذا الموقف يدفعنا إلى التساؤل هل الاستعارة هي مجرد عناصر طارئة على النص الفلسفي أم أنها العكس من ذلك هي ما يقوم عليه؟ كيف يمكن التعرف على استعارية النص؟

يمكن إخضاع النص الفلسفي لفحص يحدد درجة الإمكان أو الضرورة في حضور الاستعارة من خلال ما يسميه كوسيطا بتجربة المحو والاستبدال والترجمة:

1 – تجربة المحو: وتقوم على محاولة إلغاء المكونات الاستعارية والآثار المتولدة عن المقاطع الاستعارية، فإذا لم تحدث هذه العملية خللا في النص فإن الاستعارة لا تملك سوى درجة ضعيفة من اللزوم، ويمكن اعتبارها مجرد إطناب أو تكرار (وهذا قلما ينطبق على النصوص الفلسفية). أما إذا كان إلغاء الاستعارات يؤدي إلى تفكك في التفكير، فذلك يعني أنها مكون ضروري.

ب – تجربة الاستبدال: وتعني استبدال التيمة الاستعارية بتيمة أخرى أو بمضمون آخر. وإذا استحال ذلك، فهذا دليل على أن المضمون أو الموضوع ضروري للصورة الاستعارية وهو ما يمنحها بعدها النظري والفلسفي.

ج – تجربة الترجمة: وتتمثل في إعادة صياغة الصورة الاستعارية بألفاظ مجردة (باستخدام المفهوم). فإذا تحقق ذلك فهذا يعني أن حضورها حضور اعتباطي وأنها تحل محل المفهوم، أما إذا تبدى أن فعل الترجمة هذا مستحيل، فإن الاستعارة تشكل الوسيلة الوحيدة والمناسبة للتعبير.

هذه الأنواع من "الإختبار" التي يمكن أن نخضع لها النص الفلسفي قد تسمح بتقويم مدى أهمية الصور الاستعارية، كما يمكن تحليل وضعية الاستعارة من خلال معياري الكم والكيف، حيث يتمثل الأول في تجميع المؤشرات التلفظية المتعلقة بالاستعارة والربط بين تواترات النص وأشكال ظهور وانتشار التيمات الاستعارية والفلسفية وعلاقتهما بالعمليات الفكرية التي تساهم في ظهورها. هذا المعيار لا يتحقق إلا باستخراج العلاقات التي لها دلالة بين التيمات الفلسفية والاستعارية، وهذا يؤدي إلى معيار الكيف المتعلق بتحليل نمط العمليات النصية المتصلة بالتيمات الاستعارية والتيمات الفلسفية للتعرف على درجة حضور الاستعارة في النص ودورها في بنيته. وسنتوقف هنا عند نموذج فلسفي لنتبين من خلال المعيارين السابقين دور الاستعارة في الخطاب أو النص الفلسفي وكيف ترتبط التيمات الاستعارية بالتيمات الفلسفية وتتضافر من خلال أسلوب الفيلسوف: أسلوبه في الكتابة وأسلوبه في التفكير.

نيتشه والتفلسف بأسلوب استعاري:

إن كل استخدام للاستعارة يتضمن موقفا فلسفيا منها ومن اللغة بشكل عام. هذا ما يعلمنا نيتشه الفيلسوف الأكثر استخداما للاستعارات، والذي لم يكتف بذلك بل قدم تصورا –فلسفيا- عن الاستعارة قطع فيه مع كل التصورات التقليدية التي جعلت الاستعارة حكرا على اللغة الشعرية، وجعلت الاستعارة حكرا على اللغة الشعرية، وجعلت للمفهوم أسبقية على الاستعارة ما دام التفكير ينبغي أن يتم بكيفية تجريدية، ولا يتم اللجوء إلى الاستعارة إلا للتعبير عن هذا المفهوم وتسهيل عملية إدراكه. لكن مع نيتشه لن يصبح هناك فرق بين المفهوم والاستعارة من حيث الطبيعة، وحتى إذا ما وجد ثمة فرق فهو في الدرجة فقط، بل لقد ذهب نيتشه في موقفه –الذي قد يعده البعض موقفا متطرفا- إلى اعتبار الأصل هو الاستعارة.

لقد جعلت الفلسفات السابقة على نيتشه استعمال الفيلسوف للاستعارة استعمالا تلقائيا أو لأغراض بيداغوجية. في حين سيدشن نيتشه نمطا جديدا للكتابة والأسلوب الفلسفيين تستخدم فيهما الاستعارة بكل حرية لدرجة تطابقها مع الكتابة الشعرية، حتى ليصبح التعارض بين الشعر والفلسفة تعارضا وهميا أقامته –في نظر نيتشه- الميتافيزيقا للفصل بين العقل والغريزة.

إن التعبير بواسطة الاستعارات يعني عند نيتشه البحث عن "الأسلوب الأكثر بساطة والأكثر ملاءمة" للغة الفلسفة. فليست الاستعارة عنده محسنا بديعيا أو بلاغيا وإنما أسلوب ملازم لقصد لغوي وفلسفي، تقوم بدور استراتيجي في عمل الفيلسوف.

هذا التصور الذي يقدمه نيتشه عن الاستعارة تعكسه وبشكل واضح كتاباته التي كثر فيها من الاستعارات لمواجهة –كما يقول- العداء الذي يعامل به الفن ولإلغاء التعارض بين اللعب والجد، بين الحلم والواقع، لأن الاستعارة ليست لعبة بل "شيء جدي يعمل حسابه" ولأن "العرض الرياضي لا ينتمي إلى جوهر الفلسفة" وإنما يلعب فيها الخيال دورا أساسيا، "فالفيلسوف يعرف وهو يبتكر، ويبتكر وهو يعرف".

ينكشف دور الاستعارة عند نيتشه في إحيائه لاستعارات ميتة، أي تلك التي استعملت بكثرة لدرجة لم تعد تعتبر استعارة، وابتكار استعارات أخرى ووضع صور استعارية جديدة كل الجدة إلى جانب الصور المنمطة، حيث نجده ينتقل من هندسة خلية النحلة إلى هندسة بيت العنكبوت مرورا بالبرج والهرم ومرمدة الموتى، وهي استعارات تتعلق كلها بالبناء، ولهذا دلالته في تصوره لبناء المفهوم.

خلية النحل هي البناء الأول الذي يصور به نيتشه المعمار المفاهيمي للعلم: "كنزنا يوجد حيث طنين معرفتنا، ونحو هذه الخلايا نمضي قدما دون توقف. كحشرات مجنحة حقيقية نجني عسل الفكر، ليس لنا من هدف سوى أن نحمل بعض الجني". هذه استعارة تقليدية لوصف العمل الدؤوب لجأ إليها كثير من الفلاسفة للتمييز بين العمل الغريزي في إتقانه والعمل الإنساني العقلي، إلا أن نيتشه يهدف منها إبراز التعارض بين الفكر والغريزة، بين العقل والطبيعة. كما يمثل بها للنسقية والانتظام المفاهيمي الذي تتصف به المعرفة البشرية التي بلغت أوجها في العلم. وإذا كانت النحلة تبني خلايا العسل فارغة ثم تملؤها بما تجنيه من الخارج، فكذلك العالم يبني معمارا صوريا فارغا ثم يدخل فيه العالم والواقع: "بفضل عبقريته يسمو الإنسان بعيدا وأسمى من النحلة، فهذه الأخيرة تشيد بناءها من الشمع الذي تجنيه من الطبيعة في حين يعتمد الإنسان على أكثر المواد هشاشة أي مادة المفاهيم والتي لا يستطيع أن يصنعها إلا انطلاقا من ذاته".

هذه المماثلة بين البناء المفاهيمي وبناء حشرة حاول نيتشه من خلالها الكشف عن الطابع الوهمي في العلم حين يدعي أن العالم الواقعي قُدَّ على مقاس المفاهيم التي وضعها، فالعلم في نظر نيتشه لا يمكنه تفسير العالم وإنما وصفه فقط بواسطة خطاطات استعارية لأنه هو الآخر يستعمل اللغة ويشتغل بنفس النشاط الاستعاري الذي تشتغل به، فهو يصنع المفاهيم ويكثر عددها انطلاقا من العلامات اللغوية: العلم إذن مثل النحلة التي تصنع العسل مما تجنيه، يدفع الإنسان إلى البحث عن الحقيقة خارج ذاته.

تتنوع الاستعارات عند نيتشه وينتقل من استعارة الخلية إلى استعارة البرج والقلعة، فبرج العلم يشبه برج بابل إذ تشترك لغته مع اللغة العادية من حيث الأصل، لكنه –أي العلم- ابتعد عن اللغة الأصلية وابتدع لغة مصطنعة، فصنع علامات وأعدادا مجردة وبنى ألغازا تجسد صراعات البشر أكثر مما تعكس جوهر الأشياء: "مجال العلوم وأبراج بابل المرتفعة تتكاثر بشكل عجيب".

إن البناء المعماري للمفاهيم يعمل على تجميد الحقيقة، وللتعبير عن ذلك يستخدم نيتشه استعارة الهرم التي تبرز الطابع التراتبي للمفهوم. فالمفهوم في نظره، شيد في عالم هرمي تراتبي يقدم نفسه كنظام حقيقي يعارض بين عالم العقل وعالم الغريزة. فالإنسان ككائن عاقل "يضع نشاطه تحت هيمنة التجريدات، يعمم انطباعاته في مفاهيم جامدة لا لون لها حتى يربط مسار حياته بعمله، لأنه يملك قدرة تحويل الاستعارات والحدوس إلى أطر فارغة ويذيب الصورة في المفهوم، بتشييد هرم يتكون من طبقات ودرجات. ويخلق عالما جديدا من القوانين، عالم يتعارض منذ البداية مع عالم الانفعالات الأولى".

لكن الهرم، وإن كان قبرا لازال يحتفظ بآثار للحياة. لذلك وكي يعبر عن صورة الموت والجمود المتضمن في المفهوم يعمد نيتشه إلى استعارة أخرى وهي استعارة مرمدة الموتى columbarium (مرمدة لحرق الموتى عند الرومان) لأن المرمدة لا يبقى فيها في النهاية سوى الرماد، وهذا يعني أن العلم "يعمل دون توقف في هذه المرمدة الكبيرة من المفاهيم وفي قبر الحدوس، حيث يبني دائما أشياء جديدة وطبقات أكثر علوا، إنه يشكل وينظف الخلايا القديمة ويجتهد في ملء هذا البناء المرتفع والشاهق إلى حد الهلع. ثم يرتب العالم الحسي داخله، هذا لأن الإنسان عندما يربط حياته بالمفاهيم وبالعقل -فقط- فلكي لا يضيع لذا: "فرجل العلم يشيد كوخه قرب برج العلم كي يجد لنفسه الحماية داخل هذا المعقل".

تدل كل هذه الاستعارات على البناء وتدل أيضا على الفقر (الكوخ) والعزلة (البرج) والموت (المرمدة) وتبلغ الصورة الاستعارية أقصاها عندما يستحضر نيتشه صورة بيت العنكبوت الذي يماثل نسيجه هندسة المفاهيم من حيث إنه "بناء خفيف يتقاذفه الموج بسهولة وصلب حيث لا تبعثره الريح". استعارة بيت العنكبوت تلقى الضوء على تصوره لكيفية إنتاج المفاهيم التي يصنعها الإنسان من ذاته مثله في ذلك مثل العنكبوت التي تبني بيتها من إفرازاتها الخاصة، بل إن كل الاستعارات السابقة تتجمع في هذه الاستعارة التي ستصبح بدورها مصدرا لصور أخرى كالنسيج والقناع.. والتي تمثل الجفاف والموت. فالعنكبوت يمتص دم فريسته تماما مثل المفهوم الذي يشوه الحياة ويحنطها لأنه ليس سوى نسخة شاحبة عنها. فالمفهوم الثابت كراهية للتغير والصيرورة وللحياة ككل.

هناك إذن تدرج في الاستعارات التي استخدمها نيتشه وإن كانت تشترك كلها في دلالتها على الهندسة والبناء للتمثيل على معمار المفاهيم، إلا أنها تختلف من حيث قوتها الحجاجية، فكل صورة عنده ترد في درجة أعلى من صورة سابقة وأقوى حجة منها: فبيت العنكبوت، وهي الصورة التي يصل إليها في الأخير في كتاب الفيلسوف، هي أقوى الصور الحجاجية وتدل على الموت والجفاف أكثر من البرج والهرم والمرمدة. وهذا أقصى نقد يوجهه للمفهوم باعتباره هيكلا فارغا مثل الهيكل الذي تتركه العنكبوت بعد امتصاص دم الفريسة.

لقد ارتبط الأسلوب الاستعاري عند نيتشه بتصوره للحقيقة التي لا يمكن تثبيتها لتجميدها في مفهوم واحد: "فتعدد التصورات والمنظورات عن الحقيقة لا يمكن أن يخلق سوى استعارات كثيرة لا تطابق الكيانات الأصلية". بل إن الحقيقة ليست سوى "مجموعة من الاستعارات والمجازات والتشبيهات، وباختصار إنها حاصل علاقات إنسانية تم إعلاؤها وتجميلها شعريا وبلاغيا حتى أصبحت بعد طول استعمال تبدو محكمة ذات سلطة تشريعية، مع أنها عبارة عن أوهام واستعارات استخدمت بكثرة حتى فقدت حقيقتها".

يبدو إذن أن الاستعارة هي أسلوب يختاره الفيلسوف لبلورة وبناء أطروحته وتصوره الفلسفيين. وقد اتضح مع نيتشه أن استخدام الاستعارة لا ينفصل عن أسلوبه في التفكير لأن الصور الاستعارية هي التي تمده بالأفكار وتتداخل مع التيمات الفلسفية وتمنح الخطاب الفلسفي بعده النقدي والفلسفي.

لم يقتصر الخطاب الفلسفي على الأسلوب الأسطوري والاستعاري كأساليب تخييلية. بل استعمل أساليب أخرى كالأمثلة والحالة الخاصة.. غير أن حضور مثل هذه الأساليب الحسية-التخييلية في الخطاب الفلسفي لم يكن من قبيل الإطناب أو زخرفة الأسلوب وإنما شكل مستوى من مستويات التفكير في المعقول بواسطة الصور، ولا تقوم هذه الأساليب بوظيفة التوضيح أو التفسير فقط وإنما تساهم في تأسيس وبناء التصور الفلسفي كما تلعب دورا أساسيا في الحجاج."
تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-